قصة للكاتب التركي عزيز نيسين
ألا يوجد حمير في بلدكم ؟؟؟
دخل المقهى واضعا يده على وجنته وكأن ضرسه تؤلمه .. يهز رأسه يمينا وشمالا ، يضرب خده .. وهو يردد دائما :
- توه .. تبهدلنا والله تبهدلنا ..
ومع أنه رجل على مستوى عال من المكانة والرصانة .. فقد بدأ منذ دخوله الباب يردد :
- تبهدلنا .. والله تبهدلنا ..
عجبت جدا من تصرفاته هذه .. وهو يضرب نفسه بين حين وآخر .. وقبل أن يسلم علي .. قلت له :
- أهلا وسهلا تفضلوا .. اجلس بالله عليك اجلس ..
- تبهدلنا والله تبهدلنا ..
- كيف حالك ؟
- كيف يجب أن يكون يعني ..؟ كما ترى تبهدلنا .. توه ..
ظننت أن مصيبة ما قد حلت به ، وربما كانت من جهة عائلته ..
- أصبحنا في أسفل السافلين .. لا نساوي قرشين .. نعم قرشين .
- لماذا ؟ ماذا حصل ؟
- وماذا سيحصل أكثر من ذلك .. باعوا للرجل حمارا جربانا بألفين وخمسمائة ليرة ..
رجعت إلى الخلف وتمعنت في وجهه بدقة .. هل جن الرجل ياترى !؟
لن أخفي عليكم ما خشيته .. قلت له خجلا وكأنني أطلب من زوجتي
- هل تشرب فنجانا من القهوة ؟
- اترك القهوة الآن .. تبهدلنا .. هل يساوي حمار جربان دون حدوات مبلغ ألفين وخمسمائة ليرة ؟
- بما أنني لم أبع حمارا ولم أشتر .. لا أعرف !
- ولك روحي أنا الآخر لست بائع حمير .. ولكن أعرف أن سعر أي حمار لا يساوي هذا المبلغ ..
- إن أعصابك متوترة جدا ..
- إن لم تتوتر أعصابي .. فأعصاب من ستتوتر ؟ هل رأيت شخصيا حمارا يباع بألفين وخمسمائة ليرة ؟
- مضى علي عشرون عاما لم أشاهد حمارا واحدا ..
- ولك أخي أنا أسألك عن بيع حمار بألفين وخمسمائة ليرة ..
- والله لا أدري ماذا أقول لك ؟ إن كان حمارا مدربا .. ربما يساوي هذا المبلغ ..
- وأي تدريب تقصده يا روحي .. يا أفندي .. هذا حمار .. طبعا ليس خطيبا .. حمار بكل معنى الكلمة .. وفوق كل هذا .. عجوز وجربان .. باعوه بألفين وخمسمائة ليرة .. والأسوأ من هذا كله .. كان لي دور في بيعه ..!
- يا .. يا .. يا .. وكيف حصل ذلك ؟
- جئت إلى هنا كي أقص عليك ذلك .. وكما تعلم ذهبنا أنا وزوجتي إلى أمريكا وبقينا هناك عاما كاملا بدعوة من جامعة أمريكية ..
- أعرف ذلك ..
- هناك في أمريكا تعرفت إلى بروفيسور أمريكي .. وأصبحنا أصدقاء .. ساعدني كثيرا .. كان له فضل علي هناك .. وعندما عدت إلى تركيا بقينا نتراسل ..إنه صديق لتركيا .. رجل يحب الأتراك كثيرا .. أرسل لي رسالة يرجوني فيها مساعدة أحد أصدقائه .. وهو خبير في الآثار والأنتيكات .. والسجاد وما شابه ذلك … ويسألني إن كنت مساعدة صديقه هذا أثناء زيارته لتركيا . وأجبت على رسالته بأنني على أتم الاستعداد كي أقدم كل المساعدات الممكنة لصديقه .. إذا جاء إلى تركيا ..
وأثناء عطلة الجامعات الصيفية وبما أن الخبير في السجاد والآثار سيذهب إلى الهند وإيران قبل مجيئه إلى تركيا .. فقد وصل إلى تركيا في موعد كان مناسبا لي تماما ..
جاء في تموز .. وبما أنه أخذ عنواني ورقم هاتفي من صديقه البروفيسور الأمريكي .. فقد اتصل بي من الفندق الذي نزل فيه .. ذهبت إليه .. رجل كالمارد أمريكي من أصل ألماني .. وربما عنده أصل يهودي .. وربما ألماني يهودي .. أصبح أمريكيا فيما بعد ..
أحضر معه بعض السجاجيد والبسط والخروج .. وضعها في أربع حقائب كبيرة .. فتحها أمامي وبدا بعرضها .. كانت عبارة عن قطع أو نتف صغيرة من السجاد والبسط والخروج القديمة .. القديمة جدا .. وبدا سعيدا جدا بهذه القطع التي جمعها .. وكان يقول : هذه الأغراض بمثابة كنز ومن بينها قطعة سجاد بعرض ثلاثة أشبار وطول عشرة … وقال متباهيا إن هذه القطعة تساوي على الأقل ثلاثين الف دولار أمريكي .. وإنه اشتراها من قروي إيراني بدولار واحد ! ومع ذلك صار القروي الإيراني يدعو له بعد أن قبض الدولار ,, وفرح كثيرا !!
سألته عن سبب ارتفاع سعر قطعة السجاد هذه .. فقال :
- لأن في كل سنتيمتر منها أكثر من ثمانين عقدة .. إنها شيء رائع إلى أبعد الحدود .. وبدا بسرد المعلومات بشهية عن السجاد الذي بين يديه .. وقال عن ثمة سجاد واحد في العالم في كل سنتيمتر منه مائة عقدة .. لكنه لا يدري بأي متحف هو .. وإنه سجاد جداري عادي .. أراني قطعة لباد .. وقال :
- اشتريت هذه بخمسين سنتا .. وكان يضحك بخبث معربا عن سعادته الفائقة .. وقال :
- هذا اللباد يساوي على الأقل خمسة آلاف دولار ..
سألته :
- كيف تشتري هذه القطع الغالية والثمينة بهذه الأسعار الزهيدة ؟
- إن لي أكثر من أربعين عاما أعمل بهذا المجال .. لهذا العمل خصوصيته وطرائق البحث عنه تحتاج إلى خبرة عالية وله احتياجاته أيضا ..
ثم شرح لي عدة اعتبارات ومهارات أدهشتني .. أراني ألبوما للسجاد . . وقال أنه نشر ثلاثة كتب حوله .. وأنه يملك معرضا للسجاد انتقى مواده من عدة معارض خاصة حول العالم .
خرجنا بجولة في الأناضول .. زرناها ولاية ولاية .. ومنطقة منطقة .. كان يصور السجاد في الجوامع .. يركز على ألوانه وخصوصياته .. طبعا بالنسبة له ..
واشترى من عدة أماكن بعض السجاد والبسط واللباد والخروج .. وقال إن الأشياء التي اشتراها هنا لا تقارن بتلك التي اشتراها من الهند وأفغانستان و إيران .. وتركمانستان وقال :
- في تركيا سجاد قيم جدا ولكننا لم نحظ به ولم نره حتى الآن ..
وصلنا إلى منطقة فيها حفريات أثرية حيث أقام عالما آثار أمريكي وألماني معسكرين .. كل بمفرده يبعدان عن بعضهما مسافة عشرة كيلومترات كانا يحفران الأرض رأسا على عقب . . ويمهدان الجبال والهضاب ..
كانت مساحة الأرض المحفورة تعادل مساحة قرية صغيرة .. ثمة خيام نصبت وبكثرة .. وقال إن مدنا وحضارات طمرتها الأتربة وتراكمت فوق بعضها البعض قبل ميلاد المسيح بعشرة قرون .. وأنهم اكتشفوا بداخلها عدة مدن وكثيرا من دور العبادة والقصور والقبور ..
وبما أن المنطقة مهمة كثيرا سياحيا فقد كانت تعج بالسائحين وكنا نلتقي أعدادا منهم كل كيلومترين على الأقل..
وكان القرويون يتوافدون بكثرة إلى تلك المنطقة الأثرية . ويتجمهرون هنا وهناك .. كانوا يبيعون للسائحين بعض القطع التي أخرجوها من تحت التراب .. كالفخار وقطع البلور وما شابه .. والسائحون يتهافتون على الشراء .. حتى الأطفال اصطفوا على طريق قراهم يبيعون قطع المزهريات المكسرة والأحجار المرصعة بالرسوم والكتابات .. وبعض الحلقات .. ويتجهون بقوة نحو السائحين وهم يصرخون : ( فان دالي ) أي دولار واحد .. ( آتو داليرا ) يعني دولارين …!
قلت في نفسي بما أنني جئت إلى هذه المنطقة فعلي أن أشتري شيئا يبقى للذكرى .. عندما اقتربت من طفلة عمرها عشرة سنوات وإلى جانبها ولد صغير كانت الفتاة تحمل في يدها قبضة مزهرية مكسورة ..أما الغلام فكان يحمل حجرة زرقاء اللون على شكل رأس إنسان . قلت ربما تكون هذه الحجرة حجرة خاتم فسألتهما :
- بكم هذه الأشياء يا أولادي ؟
طلبت الفتاة أربعين ليرة وأما الولد فطلب خمسة عشر فقلت لهما كي أشتريها بسعر أقل :
- إنها غالية ..
تكلم الغلام والفتاة كراشدين .. ودافعا عن أغراضهما .. أين الغلاء ياسيدي ؟ إن والدهما عمل أياما عديدة في حفر الأرض .. حتى انتشل هذه الأغراض من عمق خمسة أمتار ..
قررت أن أشتري القطع منهما لكن صديقي الأمريكي خبير السجاد قال لي أن هذه الأشياء ليست لها أي قيمة تاريخية أو أثرية .. وأنه من خلال جولاته في الشرق الأوسط شاهد الكثير من هذه القطع :
- الأمور هناك كما هي هنا تماما .. حيث يعمد القرويون في مناطق الحفر إلى قطع الطريق أمام السواح ويعرضون عليهم ما يحملونه .. رجالا ونساءً ..
وحسب ما قاله صديقي إن هؤلاء القرويين الماكرين يعمدون إلى صناعة وتقليد أحجار وفخار .. وكأنها آثار حقيقية .. حتى خبراء الآثار أنفسهم ينخدعون ويشترون تلك القطع بأسعار خيالية .. ويحكى أن راعيا باع كلبه بعد أن حلق له وبره على أنه مومياء الملك !
وكان يضحك بخبث وهو يقص لي هذه الأحداث وأضاف أننا لا يمكن أن نعتبر هذه القطع الصغيرة التي يبيعها القرويين على أنها تقليد . لأن فيها من النسمات الفنية الصغيرة .. مثلا صناعة القطعة الحجرية الزرقاء التي كان يحملها الولد ليست سهلة على الإطلاق .
كان الجو حارا جدا ، كنا نسير بسيارة الجيب التي استأجرناها .. وعلى جانب الطريق رأينا عدة أشجار حور وبئر ماء .. قلنا سنتناول طعامنا في ظل تلك الأشجار .. وما إن اقتربنا حتى شاهدنا عجوزا قرويا ينام تحت الشجرة وحماره مربوط على بعد عدة أمتار منه ..
سلمنا عليه وبدأ الحديث معه .. كنت أترجم كلمات العجوز القروي إلى الإنكليزية ..
- ما أهم الغلال الزراعية في هذه المنطقة ..؟
- لا نزرع شيئا على الإطلاق .. في الماضي كنا نزرع الحبوب ونحصدها .. ولكن منذ بدأت هذه الحفريات .. قبل عشرين عاما تقريبا اعتاد القرويون الكسل والتنبلة .. وصاروا لا يزرعون شيئا ..
- تماما مثل باقي المناطق التي تشبه هذه المنطقة ( قال الأمريكي ) ..
- طيب كيف يعيش القرويون هنا ؟ ( سألت الرجل العجوز ) ..
- منذ ان اعتادوا على حفر الأرض واستخراج الفخار والأحجار منها .. صار كل شخص يحفر الأرض ويستخرج بعض القطع .. ثم يبيعها للأجانب ..
- تماما مثل باقي المناطق ( قال الأمريكي ) ..
قال القروي :
- أبناء هذه القرى أناس حقيرون ومنحطون جدا .. باعوا كنوز البلد بأسعار رخيصة جدا .. ظهرت أعمدة حجرية كثيرة وقبور رائعة لم نبعها بأسعارها الحقيقية لأننا لم نعرف قيمتها .. ولو سارت الأمور كما نشتهي لكنا عمرنا مثل تركيا عشر تركيات .. والأجنبي الذي معك وغيره .. من هم يعني ؟ كلهم لصوص .. سرقوا كل ما اكتشف تحت الأرض .. وهربوه إلى بلادهم وعمروا به مدنا كثيرة .. بعضهم أخرجوا الآثار بأيديهم .. وبعضهم خدعوا القرويين وأخذوا الآثار من أيديهم .
قال الأمريكي :
- تماما كما حدث في باقي المناطق الأخرى .
- طيب .. كيف يعيش القرويون الآن .. ؟
- في هذه المنطقة أكثر من ست قرى .. إن دخلت بيوتها .. لا تجد فيها لا بسطا ولا قماشا .. لا أباريق ولا صحون .. البيوت فارغة تماما .
- ولماذا ؟
- ولماذا ؟ لأنهم يبيعونها للسياح … حولوا كل شيء في بيوتهم إلى أثريات .. يطمرون أغراضهم تحت التراب .. حتى تتعفن وتتصدأ .. ثم يخرجونها ويبيعونها للسياح .. لقد فسدت أخلاق الناس يا سيدي .. قبل أيام رأيت ولدا صغيرا .. أقصر من ساقي يتعلق برقبة حماري .. يريد سرقة الخرزات .. سيسرقها ويطمرها تحت التراب .. هل فهمت …؟ ثم يخرجها ويبيعها للآخرين على أنها أثرية ! حتى الفتيات اللواتي بلغن سن الزواج أصبحن بائعات أثريات .. كل واحدة تحمل حجرة في يدها .. تنحتها وتحولها إلى أشكال عديدة جميلة .. تصور يا سيدي .. يحولون نضوة الحمار إلى ميداليات وعملات قديمة …!
قال الأمريكي :
- ألم اقل لك ذلك ؟ باقي المناطق تماما هكذا …
قلت للعجوز القروي :
- وأنت كيف تعيش .. ماذا تعمل …؟
قال :
- أنا أبيع الحمير وأشتريها ..
قال ذلك وتناول سطلا وملأه بالماء .. وسقى حماره الذي كان على بعد أمتار منا .. عندما كان الحمار يشرب انطلق الامريكي فجأة .. واتجه صوب الحمار وأما أنا والقروي فكنا نتحدث ..
- هل تستطيع العيش من تجارة الحمي













